مرحبا بكم جميعا في منتدى أقبلي للتربية والتعليم الابتدائي الذي يفتح لكم ذراعيه لتقضوا معه وقتا ممتعا ومفيدا.

اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علا نيته وسره فأهلا أنت أن تحمد إنك علي كل شئ قدير ربي.. إلهي .. خالقي ... لا أحد غيرك يأخذ .. ولا أحد غيرك يمنح .. ولا غيرك يضاعف أضعافاً مضاعفة رب اجعلنا ممن يُحسن الظن بك خيرا.


محاضرة بعنوان: النصيحة ودورها في إصلاح المجتمعات

شاطر
avatar
مَحمد باي

عدد الرسائل : 2488
العمر : 43
الموقع : أقبلي أولف أدرار
العمل/الترفيه : معلم مدرسة ابتدائية
نقاط : 3306
تاريخ التسجيل : 30/10/2008

بطاقة الشخصية
مشاركة الموضوع: name="fb_share" type="button_count" href="http://www.facebook.com/sharer.php">مشاركة src="http://static.ak.fbcdn.net/connect.php/js/FB.Share" type="text/javascript">

محاضرة بعنوان: النصيحة ودورها في إصلاح المجتمعات

مُساهمة من طرف مَحمد باي في الأربعاء 25 أغسطس 2010, 09:07

[right]
محاضرة بعنوان:





















الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المخلوقين سيِّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد ، وخير الأمور ما كان سُنّة، وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار.
أيُّها الإخوة الحضور : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وتقبل الله صيامكم، وشكر سعيكم، وسدّد خطاكم. وإن الكلمة التي سألقيها على مسامعكم، عنوانها: (النصيحة ودورها في إصلاح المجتمعات).
[ إذا كان لإصلاح المجتمعات بابٌ فإن مفتاحه هي النصيحة ]، مقولةٌ صادقةٌ تعبّر عن الدور الذي تقوم به النصيحة في التقويم والإصلاح، وذلك من خلال دورها الفعّال في حماية الأفراد والمجتمعات من أي انحراف، والحث على الرُّقِيّ والنجاح في شتّى الميادين، وشتّان بين مجتمع تسوده النصيحة، ومجتمع يعيش كل فرد من أفراده لتحصيل مصالحه الشخصية، وحظوظه الدنيوية، دون مبالاة بالنّصح والمعالجة لمن حوله .
من هنا كان للنصيحة مكانة كبيرة في شريعتنا الغرّاء، واعتُبرت الركيزة الأهم والركن الركين في الأخوّة الإسلامية، كما جاء في الحديث: « الدين النصيحة» متفق عليه.
إن صلاح المجتمعات، نعم يكون بصلاح الدول ويكون بامتثال أمر الله جل وعلا، لكن كما تكونوا يُوَلَّ عليكم، فإن بناء المجتمعات يكون من بناء خلاياها، وإن خلايا المجتمع إنما هي الأُسَرُ والبيوت، فلو أصلح الناس بيوتهم، كلٌّ في شأنه، لو أصلحنا بيوتنا وسعينا بالنصيحة الموافقة للكتاب والسنة فيما بيننا شيئاً فشيئاً، لَعَمَّ الخير ولَقَلّ الشر، وليس وعد الله جل وعلا فيما ذكر في الآيات يكون لمجتمع ليس فيه مخالفة ولا معصية، وإنما هو لمجتمع الخيرُ فيه غالب، لأن الله تعالى وصف الإنسان بأنه ظلوم جهول، فلا بدّ أن تبقى هذه الصفة، ولابد أن يبقى العصيان، ليغفر الله للمستغفرين، ولكي يتوب الله على التائبين.
لكن وعد الله يكون للمجتمع الذي خيره غالب على شره، وصلاح ذلك نبدأه نحن، وإن من سِمَةِ بعض الناس أن يلقي باللوم على من تولّى الأمر، وينسى أن أولئك لم يجبروا الناس على شر، وإنما الناس الذين أقبلوا على الشر فيما رغبوا به فيه، نعم، اللوم على الطائفتين، ولكن الإجبار لم يحصل، وصلاح البيوت ممكن، وجهاد الشيطان وعد الله أهله بالخير العظيم، فإذا أخطأ غيرنا فهل يسوغ شرعاً أو عقلاً أن نلقي باللوم على غيرنا وننسى أخطاءنا، إننا نرى أن في البيوت من الأخطاء ما نعلمه من تفريط في الواجبات، وفي المساجد من قلّة المصلين فيها، وإذا نظرت إلى أحوال الناس في امتثال أمر الله وجدت أن الغفلة سيطرت على القلوب وتحكمت إلا فيما شاء الله، حتى يرى المرء نفسه إذا أذنب كأنه لم يذنب، وإذا فرط في واجب كأنه لم يفرط، والمسلم مرآة أخيه. وإن الناس في أسرهم وفي قبائلهم وفي مجتمعاتهم إذا أصلحوا شيئاً فشيئاً فإن الخير يَعُمّ، ونُرِي اللهَ من أنفسنا خيراً في الصلاح والإصلاح، نصلح فيما بيننا، ونصلح فيما قد يظهر من الأخطاء في مجتمعاتنا.
والنصيحة في الدين مكانتها عظيمة، ومنزلتها عند الله عالية رفيعة، وحاجة كلّ إنسان للنصح لا تقل عن حاجته إلى الطعام والشراب و الهواء، لذلك حصر رسول الله  كل الدين فيها في قوله: «الدين النصيحة»، لأنها بها قِوَامُه و صَلاَحُه؛ وعندما قيل له: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم».
وحكم النصيحة لكل مسلم الوجوب وإن لم يسأله، وقال بعضهم: وجوب النصح يتوقف على السؤال، لقوله : "وإذا استنصحك فانصح له"، وهو يُعَدُّ من حقوق المسلم على أخيه المسلم.
ووجوبها آكد من ولاة الأمور والعلماء، لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: « ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجتهد لهم وينصح إلا لم يدخل الجنة معهم.»
ولنرجع إلى الحديث السّالف الذكر الذي رواه مسلم عن تميم بن أوس الداري أن النبي  قال: «الدين النصيحة ثلاثا، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»؛ قال الخطابي: "معنى الحديث قوام الدين وعماده النصيحة، كقوله الحج عرفة".
فهذا الحديث أصل عظيم في وجوب النصيحة وبيان فضلها ومنزلتها في الدين وذكر مجالاتها. قال محمد بن أسلم " هذا الحديث أحد أرباع الدين " وقد ورد في السنة أحاديث عامّة في النصح لكل مسلم، وأحاديث خاصة في النصح لولاة الأمور ونصحهم لرعاياهم.
وفي الحديث مسائل:
الأولى: قوله ( الدين النصيحة ) فيه دلالة صريحة على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان كما فسّر الدين بذلك في حديث جبريل المشهور، فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء الفرائض واجتناب المحرمات ويستلزم ذلك الاجتهاد بالتقرب إليه بنوافل الطاعات وترك المكروهات. وأصل النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحت العسل إذا خلصته من الشمع، والنصيحة لغة: الخلوص من الشوائب، واصطلاحا: قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا. والنصيحة قسمان:
1- نصيحة واجبة لله بإتباع محبة الله في أداء الفرائض وترك المحرمات.
2- نصيحة مستحبة بإيثار محبة الله على محبة نفسه في فعل المسنونات واجتناب المكروهات. .
الثانية: النصيحة لله: الاعتراف بوحدانية الله. وتفرده بصفات الكمال على وجه لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه، والقيام بعبوديته ظاهراً وباطناً، والإنابة إليه كل وقت بالعبودية، والطلب رغبة ورهبة مع التوبة والاستغفار الدائم؛ قد يقع منه تقصير أو خطأ وبالتوبة وملازمة الاستغفار ينجبر نقصه، ويتم عمله.
الثالثة: من النصيحة لكتاب الله الإيمان بأنه كلام الله حقيقة نزل به جبريل على رسوله  ولا يشبهه شيء من كلام البشر، وتعظيمه وتلاوته حق التلاوة وحفظه وتدبره، وتعلم ألفاظه ومعانيه والاجتهاد في العمل به.
الرابعة: وأما النصيحة للرسول: فهي الإيمان به ومحبته، واتباعه في أصول الدين وفروعه، وتقديم قوله على قول كل أحد، والاهتداء بهديه، وتقديم محبته على محبة النفس والولد والناس أجمعين، وعدم الخروج على شريعته، واعتقاد أنه سيد الخلق وخاتم الأنبياء.
الخامسة: المراد بأئمة المسلمين الذين تلزم طاعتهم من الحكام ومن ينوب عنهم في الولايات والعلماء الربانيون أهل الحل والعقد، والنصيحة لهم: بالسمع والطاعة لهم، وحث الناس على ذلك، وبذل ما يستطيعه من إرشادهم، وتنبيههم إلى كل ما ينفعهم وينفع الناس.
السادسة: من النصيحة لولاة المسلمين السمع والطاعة لهم ومعاونتهم على الحق وتذكيرهم به وإعلامهم بما غفلوا عنه أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتأليف قلوب المسلمين على طاعتهم، والدعاء لهم في ظهر الغيب، والصبر على أذاهم وجورهم. قال رسول الله  « ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين» رواه أحمد. وقال : «عليك بالسمع والطاعة في عُسْرك ويُسْرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك» رواه مسلم. وهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة وعمل السلف الصالح، وكل من خرج على الولاة وقع في حرج ومشقة وفساد من الأمر أشدّ مما كان هو فيه من الظلم وضيق الحال. وتلزم طاعة الإمام في كل أمر ما لم يأمر بمعصية، وفي كل نهي ما لم ينه عن واجب، قال : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره، إلاّ أن يُؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».
السابعة: المشروع في نصيحة الولاة أن تكون سرا ولا يجوز أن تكون علانية على رؤوس الأشهاد في غيبته لأن ذلك تحريضا للرعية وإغراء بالسلطان، وسبيل لحصول الفتنة والفرقة، وإذا فتح الباب لغوغاء الناس حصل فساد عظيم، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال: " إن كنت فاعلا ولا بد، ففيما بينك وبينه". أما الإنكار على الوالي علانية والجهر بذلك فوق المنابر فليس من عمل أهل السنة، وإنما شيء أحدثه الخوارج وعرف عنهم.
وقال بعضهم: "رحم الله من أهدى إليّ عيوبي في سرٍّ بيني و بينه، فإن النصيحة في الملأ تقريع".
الثامنة: للعلماء المقتدى بهم منزلة عظيمة في الدين فهم ورثة الأنبياء ومصابيح الظلام، بهم يرفع الجهل، وتكشف الغمة، وتنجلي الظلمة، وهم المفزع بعد الله عند نزول الحوادث والفتن، وهم حصن الإسلام وقلعته، يدفعون عن الإسلام وأهلِه كيدَ الأعداء وفجورَ المنافقين وجهلَ السفهاء، بذلوا أموالهم وأوقاتهم وأعراضهم لله في سبيل نشر الحق والدفاع عنه، فلهم حق عظيم على كل مسلم، والواجب علينا توقيرُهم وتعظيمُهم وإحسانُ الظَّنِّ بهم، والسِّترُ على معايبهم، والإقتداءُ بهم، ونُصرتُهُم وموالاتُهُم، والدّفاعُ عن أعراضِهٍم ونصحُهم بالمعروف، ويحرم على المسلمين ذمُّهم أو تنقُّصُهُم والطّعنُ فيهم أو إساءةُ الظن بهم، ولا يجوز الاستخفاف بهم في مجامع الناس. وقال  : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» رواه الترمذي. وقال طاووس: إن من السنة توقير العالم .
التاسعة: من النصيحة لعامّة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وتعليم جاهلهم، وتذكير غافلهم، وإسداء النصح لهم، وستر عوراتهم، وسدّ خلاتهم، ونصرتهم على من ظلمهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحبَّ لهم ما يحبُّ لنفسه، وأحرى أن ينصح لمن استشاره، جاء في الحديث: « وإذا استنصحك فانصح له »، وفي الصحيحين عن جرير قال: بايعت النبي  على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
ومن فقه النصيحة للمسلم أن ينصحه برفق وتلطف ولا يعنف عليه وأن يكون ذلك سرا لا يجهر به عند الناس لأن ذلك ينفره عن اتباع الحق، ويفضحه ويؤدي إلى العداوة والقطيعة ، وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سِرًّا، حتى قال بعضهم مَن وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومَن وعظه على رؤوس الناس فقد وبَّخَه.
وقال الفضيل " المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويُعير".
هذا فيما يتعلق بالأمور الشخصية ولمستورى الحال؛ أما المسائل العامة، وللمجاهرين بالبدع والمعاصي، المعلنين عنها، الداعين إليها، فلا حرج من نصحهم علناً؛ وذلك عن طريق التعليم، والتذكير، والإفتاء.
العاشرة: من أجَلِّ أنواع النصح لله ولرسوله وأشرفِها: رَدُّ الأهواء والبدع المضلة بالكتاب والسُّنّة، والرّدّ على أهل البدع المخالفين للسُّنّة، وبيان ما يصح من الأحاديث وما لا يصح من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بتبيين حال رواتها الضعفاء أو سماعهم أو غلط الثقات منهم، وهذا الباب العظيم خاص بالعلماء الراسخين ومن قاربهم، أما آحادُ الناس وعوامُّهم فليس لهم ذلك، لأنهم يفسدون أكثر مما يصلحون والغيرة الدينية ومحبة الخير لا تكفي في هذا الباب.
وقد كان للنبي  اليد الطُّولَى في بذل النصح لكل من حوله، استصلاحا لنفوسهم، وتحذيراً لهم مما يضرّهم في دينهم أو دنياهم، وإرشاداً لهم بما، وترغيباً لهم بما يقرّبهم إلى الله عز وجل، بل إن حياته  وأقواله وأفعاله كلها تصبّ في إطار النصح وإرادة الخير، فما من خيرٍ إلاَّ ودلّ عليه، وما من شرٍّ إلا وحذّر منه.
وله  نماذج متعدّدة لإيصال النصح إلى الآخرين، فأحياناً كان يقدّم نصيحته بقالبٍ من المدح والثناء، أو الحثّ والتشجيع، لتكون فاعلةً مؤثرة، فمن ذلك ما أخبر به عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن النبي  قال لحفصة رضي الله عنها : « نِعم الرجل عبد الله ، لو كان يصلي من الليل» رواه البخاري و مسلم ، فأحدثت تلك الكلمات القليلة تغييرا كبيرا في حياة ابن عمر رضي الله عنه، فلم يعد يترك قيام الليل إلا قليلاً .
وأحيانا أخرى يقوم النبي بذكر أقوالٍ تدلّ على المودّة والمحبّة، و تبيّن الحرص على إرادة الخير، وخير مثالٍ على ذلك قوله  لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: « إني لأحبك يا معاذ»، ثم أتبعها بقوله: « فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: ربّ أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » رواه أبو داوود .
والنصائح النبويّةٌ التي حفلت بها كتب السنّة ، كلّها ترتبط بحاجات الناس ومشاكلهم على تنوّعها واختلافها، فإذا كان النبي  ينصح أقواما بالاجتهاد في العبادة والإكثار منها، فإنه ينصح آخرين بالقصد في العبادة حينما يراهم كلّفوا أنفسهم ما لا يطيقون، ومن ذلك نصيحته لعثمان بن مظعون رضي الله عنه عندما علم من حاله المبالغة في التعبّد، قال له: « يا عثمان، أرغبت عن سنتي؟»، فقال: "لا والله يا رسول الله، ولكن سنّتك أطلب"، فقال له: « فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان ؛ فإن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقا، فصُم وأفطر، وصلّ ونم» رواه أبو داود.
وأحياناً ربما رأى  من بعض أصحابه ميلاً إلى الدنيا، فيحذّرهم من الاغترار أو التعلّق بها، ومن ذلك قول حكيم بن حزام رضي الله عنه: "سألت رسول الله  فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: « يا حكيم، إن هذا المال خَضِرَة حُلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى« متفق عليه، فوقعت هذه النصيحة في نفس حكيم رضي الله عنه وتأثّر بها غاية التأثّر حتى عاهد رسول الله  ألا يسأل أحداً بعده أبداً.
ومن ذلك أيضاً قوله  لعبد الرحمن بن سَمُرة رضي الله عنه: « يا عبدَ الرحمن بن سَمُرة، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعنت عليها»، متفق عليه .
وتتنوّع نصائحه  بين السرّ والعلن، والفرديّة والجماعيّة، تبعاً لمقتضى الحال، ومن جملة النصائح الجماعيّة، قوله عليه الصلاة والسلام: « يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج ... الحديث » متفق عليه .
وقد تقترن النصيحة بعمل شيءٍ يشدّ انتباه المخاطَب ، ويشعره بالأهميّة ، كأن يأخذ بمنكبه أو يشدّ عليه، كما فعل النبي  مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عندما أخذ بمنكبيه وقال: « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل » رواه البخاري ، وكما فعل حين ضرب على منكب عثمان رضي الله عنه ثم قال له: « يا عثمان إن الله عزّ وجلّ عسى أن يلبسك قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني » رواه أحمد .
وبالجملة فإن نصائح النبي  تعكس صدق محبتّه لصحابته ومقدار شفقته عليهم.
والإصلاح في أصله مطلب ديني، وهو جوهر الرسالات السماوية ووظيفة الأنبياء كما ورد ذلك على لسان نبي الله شعيب إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، والإصلاح الشامل الذي يريده الإسلام يكون بِمَدِّ يد العون لجميع مؤسسات المجتمع لتحقيق الإصلاح والصلاح، إذ الإصلاح هو التعاون على سد الثغرات وردم الفجوات والعمل على التسديد والمقاربة.
والإصلاح في الإسلام هو إصلاح قاعدي يبدأ من الفرد ويعود عليه بالنفع والفائدة، و صلاح الفرد المسلم صلاح للمجتمع كله، فالفرد هو نواة المجتمع ولَبِنَةُ بنائه، والمجتمع الصالح هو المجتمع الذي يغلب على أفراده الصلاح بصفتهم الشخصية، فقد يوجد الفرد الصالح لكن في مجتمع يغلب عليه الفساد والإفساد فيهمش هذا الفرد، فالفرد الصالح تلزمه صفة أخرى وهي أن يكون مصلحا، أي أن يصلح نفسه ويدعو غيره، وهكذا تعمّ قيم الصلاح وتنتشر من فرد إلى فرد حتى تغلب على المجتمع، ولذا فصلاح الفرد مقدمة طبيعية لصلاح المجتمع.
وللنصيحة آداب لا بد منها لتقع من المنصوح موقع القبول، فمن ذلك:
1- أن يقصد الناصح بنصيحته وجه الله تعالى.
2- أن لا يقصد بالنصيحة التشهير بالمنصوح، بل يكون الأمر في السّرّ، وقد كان السّلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًا، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
تعمدني بنصحك في انفرادٍ وجنبني النصيحة في الجمـاعه
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
3- ومن آداب النصيحة أيضا: أن تكون بلطف وأدب ورفق، فهذا مما يزينها، وهو أدعى لقبولها، وفي حديث مسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه».
وعلى المنصوح أن يقبل الحقّ ممن قاله، وإن كان بغيضاً، وأن يردّ الباطل على قائله وإن كان حبيباً. يقول ابن القيم في مدارج السالكين: - ولقد مرّ بكلمة ذكرها الشيخ الهروي وتحتاج إلى رد – " وشيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحبُّ إلينا منه ".
فنحن نحبّ الحقّ، وندور معه حيث دار، سواء جاء الحق من صغير أو كبير، من عدُوٍّ أو صديق، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.
وينبغي لك عندما ينصحك ناصح أن تظهر البشاشة فى وجهه، وتشكره لرعايته لك، كما ينبغي عليك أن تصبر عند سماع النصيحة إذا جاءتك بأسلوب خشن.
يقول بعض السلف: لا تهربوا من خشونة كلامي، فما ربّاني إلا الخشن من الكلام في دين الله عزّ وجلّ، ومن هرب مني ومن أمثالي لا يفلح.
ويقول سفيان الثوري رحمه الله: إن الرجل ليحدثني بالحديث قد سمعته قبل أن تلده أمه فيحملني حسن الأدب أن أنصت وأستمع إليه.
و ينبغي للمسلم أن يحذر من أن يدخل في عموم من قال الله تعالى فيهم:  وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ، بل يحرص أن يكون من:  وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِاَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّـاً وَعُمْيَاناً .
كما ينبغي على المسلم أن يسعى للنصيحة، ويطلبها من الصالحين الصادقين، الذين يُعْرَفُون بدينهم وتقواهم. وقد قيل: أخ لك كلما لقيك أخبرك بعيب فيك، خير من أخ كلّما لقيك وضع فى كفك ديناراً.
ولقد شبه الرسول الأعظم  المؤمنين في نصحهم بالمرآة: روى أبو داود في باب في النصيحة والحياطة للمسلم: بإسناده عن أبي هريرة، عن رسول اللّه  قال: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن: يكفُّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه».
- فالمرآة تكشف الأدران البدنية التي تلحق بنا، وكذلك المسلم يكشف لأخيه ما به من عيوب وأدران معنوية من خلال المناصحه.
- والمرآة تكشف الأدران الحسية بلطف، وكذلك المسلم يبين لأخيه العيوب بأسلوب حسن وكلام لطيف.
- والمرآة لا تكشف العيوب لغير حاملها فلا تكشف الأدران لغير حاملها، كذلك المسلم لا يفضح أخاه، بل ينصحه في السّرّ.
- والمرآة لا تذهب بعد أن تكشف الأدران بل تبقي مُعِينة على إزالتها.
- ثم إن المرآة لا تحدث بصورتك غيرَك، ولا تعرضها لسواك في غيبتك، فلا تفشي سرك عند الآخرين، وكذلك ينبغي أن يكون المسلم.
بل إن المرآة لا تحفظ الصورة التي نكون عليها سابقا، فإذا أتى أحد بعدُ لا يرى من وقف أمامها حال كونه متسخاً، أو حال إزالته الأوساخ عن جسده، وكذلك المسلم فإنه ينسي ما بأخيه من العيوب بمجرد أن تزول عنه، وتبقى صورة أخيه خالية من العيوب في ذهنه.
- وبقدر ما تكون المرآة نقية، يكون كشفُها للعيوب أوضحَ وشفافيتُها في ذلك أكثرَ،
وكذلك المسلم بقدر ما تكون نفسه أنقى وقلبه لله أتقى، يكون شعوره بالعيب والخطأ أكثرَ، ولذا فإن على المسلم أن يصحب تقيا عارفا يعرفه عيوب نفسه، وقد قال عمر رضي الله عنه: "رحم الله عبداً أهدى إلي عيوبي".
هذا ما تيسّر جمعه فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، عصمنا الله وإياكم منه، ونسأل الله تعالى ونتضرّع إليه أن يرحم مؤسّسَ ومنشئ هذه الحلقات شيخَنا وأستاذَنا الشيخ محمد باي بلعالم، وأن يسكنه الدّرجات العُلى من الجنّة رفقة النبيئين والصدّيقين والشهداء والصّالحين، اللَّهُمَّ جازه عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، اللهم اجعل ثواب هذه الحلقات في ميزان حسناته، وبارك في ذُرِّيَتِه وطلبته ومُحبِّيه، وفي من حضر مجلسنا هذا، وبارك في خليفته في مدرسته وحامل لواء مسيرته، الشيخ أحمد الطالب، ووفقه إلى ما تحبه وترضاه، وأعنه وسدّده رميه وخطاه، حتى لا يزلّ ولا يكلّ، وأمِدّه بالحفظ والرّعاية، والتّوفيق والعناية، ونحن ووالدينا وجميع المسلمين، آمين، آمين، آمين. سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين.

بقلم: عمر بن مَحمد بن باب الزين بن مالك بأقبلي ساهل
كتب يوم الأحد:‏‏22‏/08‏/2010‏ م، الموافق لـ:‏12‏/09‏/1431‏ هـ.

ألقيت بمسجد سعد بن معاذ بأركشاش أقبلي يوم الثلاثاء 14 رمضان 1431هـ
avatar
medsat

عدد الرسائل : 2513
العمر : 43
العمل/الترفيه : الانترنيت
المزاج : متغيير
نقاط : 3246
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

رد: محاضرة بعنوان: النصيحة ودورها في إصلاح المجتمعات

مُساهمة من طرف medsat في الخميس 26 أغسطس 2010, 00:01





    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 24 أغسطس 2017, 07:55